من مكانٍ بعيد، أسمع همساتٍ لا أفقه منها شيئًا.. أحاول الاقتراب نحو الصوت، فأدرك أكثر وأكثر، أن ما أسمعه ليس حديثًا.. إنما هو أنين متقطع، يمزق القلوب..
أخطو خطوة أخرى، لكني أتعثر بشيء ما وأقع.. أشعر بالدم يسيل على قدمي وجبهتي، لكني لا أبالي، وأحاول النهوض..
فجأة، ينقطع الصوت، ويعمُّ الصمت.. صمتٌ قاتل، كأنما هو الموت نفسه..
أرهف السمع، فتلتقط أذنايَ صوتًا مرتجفًا يدعوني.. صوتًا مألوفًا يستنجد بي..
"أختي؟"
أنادي في الظلام، ولا أسمع إجابةً إلا صدى صوتي.. هل كنتُ أتخيّل؟أنادي بصوتٍ أقوى..
" أختي، أأنتِ هناك؟"
أكادُ أسمع شهيقها.. وصوتٌ ضعيفٌ يجيبني..
"نعم إنني هنا، لكنني لا أستطيع رؤية شيء.. هل بإمكانكِ الاقتراب قليلاً؟"
" لا أستطيع رؤية شيءٍ أيضًا.. هل يمكنكِ الاستمرار بالتحدث علّني أصل إليك؟"
"فلتأخذي حذركِ.. المكان مليء بالأحجار"
هكذا إذن؟!أخيرًا، أجلس بجوارها مُنْهَكَة.. أغلق عينيّ، فلا فائدة منهما على كل حال.. أحتضن كفها بين كفّيَّ، وأُصْغِي..
أصغي إلى صوتها، يشكو ظلمًا..
وُعُودٌ لَمْ يُوفِ بِهَا أَحَد..
مَسْؤُولِيَّةٌ لَمْ يَقْوَ عَلَى حَمْلِهَا أَحَد..
عَمَلٌ لَمْ يُنْجِزْهُ أَحَد..
والخَطَأٌ.. لَمْ يَقْتَرِفْهُ أَحَد!!
ليس بالأمر الغريب، فالقصة ذاتها تتكرر كل مرة.. ولم تكن الضحيّة الأولى، فقد وقَعْتُ ضحيّة للخطأ نفسه أيضًا..مَسْؤُولِيَّةٌ لَمْ يَقْوَ عَلَى حَمْلِهَا أَحَد..
عَمَلٌ لَمْ يُنْجِزْهُ أَحَد..
والخَطَأٌ.. لَمْ يَقْتَرِفْهُ أَحَد!!
لا أعلم كيف أرد..
أفتح عينيّ مرغمةً بعد أن اغرورقتا بالدموع.. أمسح دموعي بأناملي الدامية.. وأنظر اتجاه أختي..
نعم لا أستطيع رؤيتها، لكنني أوقن أنها جالسةُ هنا بجانبي، كفُّها الأيسر في كفّي الأيمن، محمرة الوجنتين، تقاوم شلالاً ساخنًا من الدموع..
أطيلُ الصمت؛ متيحةً الفرصة لفؤادي ليتحدث..
هي بدورها تصمت قليلاً، كأنما تصغي لخواطري..
ويستمرُّ حوارنا.. بلا ضوء، ولا صوت، ولا أي وسيلة للتواصل.. سوى مشاعر مشتركة، وأخوّة تربط بيننا..
أتُراني أستطيع أن أَكُون شمعةً بين يديك؟
أتُراني أستطيع رسم بسمةٍ أخرى على شفتيك؟
بقوّة تصميمنا، أترانا نغير الواقع؟
أجــيــبــيــنــي، أختي!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق